الأحد، 19 أبريل 2009

"يا دراة دوري"


كنت أجلس وحدي في الصباح الباكر_ علي غير عادة مني_ و كان الهدوء التام يخيم علي المكان.
فاذا بصوت جميل برئ يتهادي من سطح البيت المجاور لنا مرددا " خلاويس ؟ لسة!" , فذهبت إلي النافذة لأري طفلتين جميلتين تلعبان " الإستغمائة" علي ذلك السطح , و الذي لم يكن يوجد فيه سوي مكانين لا ثالث لهما للاستختباء فيه.

كان منظرا رائعا , لعب و ضحك و لهو في براءة و خفة جعلني أتذكر أغنية لفيروز مطلعها:

طيري يا طيارة طيري يا ورق و خيطان
بدي إرجع بنت صغيرة عاسطح الجيران
و ينساني الزمان علي سطح الجيران

و تمنيت ساعتها حقا لو يعود بي الزمن لأرجع تلك الطفلة الصغيرة, و إلم الهو في حياتي علي سطح الجيران!

ما أجمل تلك المرحلة, حيث البراءة و الطهارة و الصفاء و النقاء, ملائكة يمشون علي الارض .
ليتني لم أكبر! ماذا في عالم الكبار الآن سوي الصراعات و المشاكل و الضغائن؟
لو أنهم توادوا , لو أنهم تحابوا, لو أنهم تصافوا, لو تسامحوا و تناسوا, لكان العالم جنة لا غابة و حربا و نهرا من دماء,و لكن للأسف لن تتحق رغبتي إلا في الخيال.

و بينما كنت أسرح بخيالي مع هاتين الجميلتين و أحلام الطفولة , تعالى صوت " المسجل "من ذلك البيت مرددا أغنية أسمعها للمرة الأولي لفيروز " يا دارة دوري بينا" و أنصت إاليها.
لكم هي طريفة و غريبة في ذات الوقت, لا سيما هذا المقطع العجيب:

تعا تا نتخبى من درب الأعمار و اذا هني كبروا نحنا بقينا صغار
و سألونا وين كنتو ا و ليش ما كبرتوا انتوا؟ فانألون نسينا !
و اللي نادى الناس تا يكبروا الناس راح و نسى ينادينا !

و تعجبت جدا من خيال " الرحبانية" في تلك الأغنية و لفتت نظري بشدة فهي حقا طريفة, و تمنيت حقا لو انني اخبئت من درب الأعمار و يتوقف الزمن او يعود الي الوراء, فما كان أجملها من أيام !
و ليتني أعود لأركب " الدارة" _ و هي تلك اللعبة في الحدائق و المنتزهات تأخذ شكل دائرة كبيرة ترتكز علي حامل في المنتصف و يدفعها الاطفال لتدور بهم حتي يصابوا بالدوار_ و أحقق مطلع تلك الاغنية:

يا دارة دوري بينا ضلي دوري بينا
تا ينسوا أساميهن و ننسى أسامينا

و عندها لن أنسى اسمي فقط, بل سأنسى كل شيئ !



الثلاثاء، 7 أبريل 2009

"غياب الشعور"

موقف رأيته وآلمني كثيرا بل وكلما تذكرته شعرت بحزن يعتصر فؤادي, قد يظن البعض أنه حساسية شديدة مني وأن الأمر لا يحتمل كل هذا, ولكنني أراه غياب للشعور مرير حقا.

أسكن في مدينة نصر قرب التوحيد النور فرع مكرم عبيد, وفي أحد الأيام ذهبت لأركب الميكروباص من الناصية المقابلة له أمام برج محجوب ذلك المبنى الجديد هناك, في طريقي إلى نهاية شارع مكرم عبيد أمام سيتي سنتر.

دخلت وجلست في المقعد قبل الصف الأخير من الميكروباص, والسائق ينادي لتحميل باقي المقاعد بالركاب. فإذا برجل يجلس خلفي يسألني: أين شركة إنبي للبترول؟ فقلت له: إنها على امتداد شارع عباس العقاد. فسألني: وأين عباس العقاد؟ فأخبرته أنه سيضطر لقطع مسافة حتى يصل إليه وأشرت له باتجاه الطريق.

فوجدت الرجل وقد تبدلت ملامحه وكأنه سمع خبرا مزعجا للغاية, فنادى على السائق: ألم أركب معك من أمام سيتي سنتر وأخبرتك أني أريد الذهاب إلى إنبي؟ فتعالى صوت السائق بتأفف وأشار له أنه سيمشي محطة ولن يتوه. فرد الرجل بحزن: ألست ترى الذي معي؟

وأشار الرجل إلى شاب ربما في العشرين من عمره, ولكنه- عافاكم الله- مصاب ببله مغولي شديد ينظر حوله في ذهول فاغر الفاه.

وأجابه السائق بأسلوب حقير بأن يخرج ببلوته ويفسح الطريق للركاب, فقام الرجل ونزل وهو في قمة الضيق وأخذ ينادي على ابنه بانفعال ففزع الولد ورفض أن يتزحزح من مكانه فدخل الرجل يشده للخارج بعصبية والولد يصرخ ويقاوم ويشد نفسه للخلف.

ووسط ذلك كله يصرخ السائق الحقير بالرجل وكأنه يتلكأ ويتباطئ في النزول, ويعلو صوت الركاب أنهم قد تأخروا وتعطلت مصالحهم , فيزداد الرجل عصبية ويزداد الولد فزعا ومقاومة رافضا النزول.

حدثت الرجل أن يكف عن جر الولد بهذا العنف وساعدته على النزول, وتحركت السيارة إلى نهاية مكرم عبيد والسائق يحدث من حوله عن المصائب التي تقابله يوميا من الركاب, وكأنه لم يفعل شيئا وكأنه هو المتضرر, ولم يلمه أحد عما فعل وشاركوه الضحك في النهاية.

إنا لله وإنا إليه راجعون, وكأنهم قد أصابهم العمى وكأنهم لا يشعرون.

فكرت, ترى ماذا حدث للرجل وابنه؟ ترى كيف تعامل مع ابنه وهو في تلك الحالة المزاجية السيئة؟ ترى ... ترى...........الخ.

اسئلة عديدة جالت بخاطري وأنا أكاد اتفجر حزنا مما حدث.

ءارأيتم ما حدث؟ ءارأيتم كيف غاب الشعور؟ ءارأيتم ذلك السائق عديم الإحساس والضمير؟ ءارأيتم كيف خدع الرجل من أجل جنيه واحد سيحصل عليه أجر ركوب الرجل وابنه معه مستغلا جهله بالطريق غير مبال بحاله؟ ءارأيتم كيف لم يراعٍ مصيبة الرجل في ابنه وكيف تعامل معه في النهاية على أنه مصدر إزعاج وتعطيل؟ ءارأيتم الركاب كيف لم يلتفتوا لشيئ إلا تأخرهم عن مصالحهم؟ ولم يجد الرجل في النهاية إلا ابنه المسكين الذي لا حول له ولاقوة كي يفرغ فيه حزنه المكبوت على حاله.

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم